ديوان وهج اللهيب
الجنه الحالمه أنا واللهيب إغتراب ابن الوغى
المليك المتوج الربيع الحلم المنشود الحشاشه المتقده
بين الذئاب والكلاب بلادي الأمارات الوابل المنهمر إليك خليجي
اليوبيل الدامي خادم الأوهام ثالثة الأثافي بين يأس ورجاء
سين جيم رهين النفس والأحكام دروس الدهر خدوش
كهف النسيان ضوء الفرقدين شدو السكون سلوان القلب
  مناجاة ضمير لولاك  


بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة
بقلم: الدكتور أحمد عرفات الضاوي

وهج اللهيب

في عام 1996 حللت ضيفا على دولة الإمارات العربية المتحدة، وكان في ذهني قضيتان:
الأولى: كيف أحافظ على لياقتي الثقافية في إطار الكتابة والنقد، والثانية:الاطلاع على الإبداع الشعري النسائي في هذا المكان الذي يمتلك خصوصية اجتماعية وثقافية مع قناعتي المطلقة بعدم وجود حدود بين أدب ذكوري أو أنثوي إلا لأهداف البحث والدراسة. وفي إطار هذه الهواجس والسعي، دخلت الشيخة هند بنت صقر القاسمي عالمي الثقافي عندما قدَّم لي أحد الأصدقاء ديوانها الأول الذي صدر في العام نفسه لوجودي في دولة الإمارات. وقد أدهشني الديوان لسببين الأول:الصفة الاعتبارية للشاعرة باعتبارها من أسرة القواسم التي تمتلك إطاراً اجتماعياً وسياسياً ونضالياً ممتدا في التاريخ الماضي والمعاصر، وهذا إطار ملزم بالانتماء إلى قيم لها صفة القداسة والرسوخ. والثاني: صفتها الإبداعية والإنسانية باعتبارها امتداد إبداعي لأسرة تحترم الإبداع وتمارسه، وأن والد الشاعرة المرحوم الشيخ صقر بن سلطان القاسمي كان شاعراً من جيل الرواد، عاصر علي محمود طه وأحمد رامي وسمع منهم وأسمعهم، وصدر له عدة دواوين (في جنة الحب، وحي الحق، الفواغي، صحوة المارد ولهب الحنين )وقد شجعني كل هذا الزخم الخصب في الدائرة الاجتماعية والثقافية للشاعرة، أن أقرأ ديوانها الأول بعناية وبخاصة عندما عرفت بأن الجهود الشعرية الأنثوية في هذا المكان ما زالت مترددة خجولة مما أعطى هنداً وديوانها خصوصية التفرد وأعطاها هي شخصياً صفة الريادة.
قرأت نفوس شامخة وكتبت عنه في صحيفة الاتحاد الإماراتية، وفي مجلة أفكار الأردنية، ولعل المبدعة قد قرأت ما كتبت حول تجربتها الشعرية فاستوقفتها الإضاءات النقدية التي وضعت يدي عليها انطلاقا من احترامي للإبداع والمبدعة على حد سواء. وسرني كثيراً أن تدفع لي بديوانها الثاني وهج اللهيب كي أقدم له، إدراكا منها لمواكبتي الجادة لتجربتها الشعرية منذ البداية وربما ثقة بأدائي النقدي والتعامل مع الإبداع بحياد وموضوعية.
وهج اللهيب ثانياً:
يتضمن الديوان أكثر من ثلاثين قصيدة جميعها في إطار القصيدة العمودية باستثناء واحدة كسرة القاعدة لأول مرة في إبداع الشاعرة في إطار قصيدة التفعيلة هي قصيدة بين الذئاب والكلاب التي تحمل بعدا إنسانيا يوثق لمأساة شعب (كوسوفا) تقول فيها:
ينتصب الخوف على الأبواب
وتجثم الأحزان في أروقة المدائن
تجسد الأحقاد والضغائن
فيهرع الجميع للعراء
لا يعلمون أي درب يسلكون
والقصائد العمودية تنتمي بشكل مكثف إلى الرمل والمتقارب والكامل والبسيط، وقد راوحت قصائد الديوان في موضوعاتها بين الخاص والعام، أما الخاص فتمثل في المعاناة الذاتية من تراجع القيم وردود فعل الشاعرة إزاء هذا التراجع وقصيدة اغتراب تمثل القاسم المشترك لهذه المعاناة الممتدة على مساحات أخرى في الديوان:
وحيداً أعيش بدنيا اغترابي
أصارع جور الزمان العنيد
فلا الأفق يفهم سر اكتئابي
ولا الموج يسمع ذاك الوجيب
ولكن الشاعرة في كل مرة تشكو لا تستسلم بل تتحدى وتقاوم هذا التراجع وتستعيد حالة التوازن، باستلهام الحكمة السائدة أو التجارب الموازية. ففي القصيدة نفسها تختار المواجهة والصمود:
وحيداً أضئ مصابيح حلمي
أقارع غدر الزمان المريب
فمن لا يحطم قيد المنايا
سيحيا مدى الدهر عبداً منيب
وفي معرض مواجهتها لتراجع قيم الوفاء والصدق والتواضع والحياء، وما تعانيه من هذا التراجع تستعيد توازنها في المواجهة أيضاً:
فهذي حياتي ولست أبالي
بسخط وويل وقحط وداء
سأمضي وفي القلب صرخة حق
سأمضي بعزم عديم البواء
وكثيراً ما لجأت الشاعرة إلى محطات صوفية شفافة لاستعادة التوازن، وبخاصة عندما يتضخم إحساسها بالمرارة بالغدر والظلم والتهافت على الحياة المادية ومن المحطات المتأثرة بالخيام قولها في قصيدة الربيع:
يامن يحار العقل في أكوانه
هلاّ تزيل بواطن الأسرار
يامن يهيم القلب في سبحاته
هلاّ تضئ القلب بالأفكار
أنعش برحمتك الكريمة مهجتي
وانعم عليَّ بعطفك الزخار
يكتظ الديوان بالقصائد الإنسانية وقد استوقفني قصيدتان في هذا الإطار بنتهما الشاعرة بأسلوب الحكاية الشائق، الأولى ابن الوغى التي تتحدث عن شبل ابن شهيد ، والأسير العائد التي تتحدث المبدعة فيها بلسان الأسير عن آلام الأسر ومعاناته من غير أن تترك قرينة زمانية أو مكانية أو إنسانية تبرز خصوصية هذا الأسير وقد نجحت الشاعرة في تصوير الأسر والمعاناة من القيد:
مرت ليال وطيف النوم فارقني
وشعلة من لظى في مهجتي اشتعلت
في غرفة ولدت عمياء حالكة
جدرانها بنقيع القار قد دهنت
قضيتها أجمع الأمجاد أنضدها
حتى أشق طريقاً للعلا رسمت
نالت القضايا العربية حظاً وافراً من اهتمام الشاعرة، فالوحدة العربية بكل وهجها وبغداد بكل آلامها وفلسطين بكل استلاباتها كانت محاور هامة في الديوان واستطاعت الشاعرة بكل وعيها الثقافي التراثي والمعاصر أن تدرك المعادلة التي أفرزت أوجاع الأمة العربية وعبرت عن ذلك في ثالثة الأثافي التي تتحدث عن حرب الخليج:
وأومض للغرب برق الأماني
بحلم طوته أكف السنون
فيمم شطر الخليج خبيباً
بزهو وغطرسة الحاقدين
وقالوا وسم الأفاعي يسيل
أتينا حثيثاً فنحن المعين
أتينا نطهر ماء الخليج
وندفع عنه يد الغاصبين
قد اتسع أفق الشاعرة الإنساني والوطني والقومي، حيث شغلت هذه العوالم بكل وهجها وتداعياتها وأوجاعها قلب الشاعرة وقلمها فخرجت بتلقائية الشاعر وشفافيته إلى هذه العوالم تعزز طموحها أو تداوي جراحاتها أو تستلهم تجاربها، ودقت نواقيس الخطر الذي يقتحم بوابات المدائن العربية ويدمر أحلام البسطاء، أو يشوه القيم الأصيلة.
وأخيراً فإن الدهشة الأولى لهذا الديوان تمثلت على خروج الشاعرة على عمود الشعر إلى آفاق إيقاعية أكثر رحابة وقد أثمر هذا الخروج صوراً مركبة على مساحات القصيدة التي تعد التجربة الأولى في إطار الشعر الحديث للشاعرة، وأطلق خيالها وقلمها لتجسد بحرارة تجربة شعب (كوسوفا)، وسمح لها أن تتعامل مع القصيدة بشكل تلقائي وليس بشكل ذهني يفرضه القيد الإيقاعي أحياناً. وأما الدهشة الثانية فإن وهج اللهيب تجربة شعرية ثانية للشاعرة تؤكد وجود البذرة الإبداعية القابلة للتطور والنماء لتسهم بشكل قوي في بناء الإبداع الشعري النسائي في دولة الإمارات العربية المتحدة. إذ قلما قدم لنا هذا الوطن شاعرات قادرات على الإستمرار بعزم وإصرار حيث تعودت المرأة للأسف الشديد أن تمزق أوراقها أو تحرقها أو تتركها في الأدراج المظلمة.


د.أحمد عرفات الضاوي
الشارقة 1-1-2000
 
 
مجموعة ترايدنت العربية