|
ما لهذا الطفلِ حيرانٌ حزينْ
تائهُ الخُطوةِ معصوبُ الجبينْ
سادرٌ لاهٍ عنِ الدنيا وقدْ
جالَ في أحشائهِ سيفُ السنينْ(1)
غارقٌ في لُجَّةٍ حالكةٍ
وُئدَتْ فيها نجومُ الحالمينْ(2)
قدْ تناساهُ صباحٌ ضاحكٌ
وتحاشاهُ عَطاءُ المحسنينْ
فانزوَى مبتعداً عن صَحْبِهِ
وتوارَى عن عيونِ الناظرينْ
اقتفيتُ الأثرَ الحافي على
حذرٍ أسألُ أصحابَ اليقينْ
مَنْ تُرى هذا؟ وما محنتُهُ؟
لِمَ يمشي في ركابِ التائهين؟ْ
فأجابوا: إنَّه إبن الوغى
إنَّهُ مُنْحدرُ من ذا العرينْ
جاءَ للدنيا وحيداً يائساً
فابتلاهُ الدهرُ بالبؤسِ اللعينْ
وكواه بجمارٍ ولظى
وسقاهُ كأسَ منقوعِ الوزينْ(3)
جائعٌ قدْ مُزِّقَتْ أطمارُه
وعلى الوجهِ بدا حزنٌ دفينْ
فاقدُ الدِّفءِ فلا مأوى له
لم يجدْ في الكونِ راعٍ أو قرينْ
ما رأى أُمَّاً ولا أُختا ولا
والداً يحنو ولا بيتاً أمينْ
هَجَمَ الباغونَ في ليلِ الدُّجى
هدَّموا الدارَ أبادُوا النائمينْ
فتبدى من هنا ليثُ الوغى
قال إنِّي ناصرٌ للبائسينْ
سوفَ أُردي كلَّ مَنْ داسَ الحِمى
جامحٌ أُدمي جباهَ الطَّامعينْ
إنَّ سيفي باترٌ أعناقَهمْ
بارِقٌ يُجلي ظَلامَ الغاصبينْ
وامتطى خيلَ الوغى مُقتحماً
مَعقِلَ الباغي وحصنَ المعتدينْ
كاشفاً عن صدرِهِ مِستأسداً
فتولتْهُ حِرابُ الآثمينْ
ودَّعَ الدنيا ولم يبقَ له
غيرُ هذا الطفلِ ذو العقلِ الرَّزينْ
قلتُ: رحماكُم بشبلٍ قد أتى
من عرينٍ ضمَّ خيرَ المُعرقينْ(4)
إنَّه شبلٌ وفي أحداقِهِ
صرخةُ الثأرِ وعزمُ الطامحينْ
أحسنوا مثواهُ إن حلَّتْ بِهِ
كربةٌ أو خانَهُ الحظُّ المَهينْ
وتولَوْهُ بعلمٍ نافعِ
كي يسيرَ في ركابِ النابغينْ
علِّموه كلَّ خُلْقٍ فاضلٍ
واصقِلوا فيه صفاتِ الثائرينْ
أنقذوه من مغباتِ الرَّدى
حصِّنوهُ بدروعِ الباسلينْ
رُبَّ طفلٍ غدرَ الدهرُ بِهِ
في غدٍ يعلو جيوشَ الفاتحينْ
سادر : تائه
لجة : بحر عظيم
الوزين : حب الحنظل المطحون
المعرقين: الشرفاء |